أبي المعالي القونوي

246

شرح الأسماء الحسنى

سريان النّفس الرّحمانيّة وقيامه به وإن لم يشعر بذلك ، ومن هذا السّرّ ظهر العلوّ فيمن علا في الأرض أو أراد العلوّ ، لجهله بحقيقة العلوّ الّذي هو رتبة لا تليق إلّا بجانب من تفرّد بالقدرة والبقاء ، وأحاط « 1 » وجوده بالكلّ ، وأشمل لطائف وجوده الكلّ ، فهو العليّ من حيث مجموعيّته الأحديّة وأحديّته المجموعيّة لا من حيث أفراده المجموع ، ولذلك قال عزّ اسمه : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً « 2 » إشارة إلى اهتمام قلب العبد وانضمام عزمه لوقوع أمر ، وإن لم يظهر في الحسّ فإنّها واقعة في الحضرة العلميّة ، فطلاب الرّئاسة - وإن لم يظهر ذلك منهم لمانع - فقد حرموا الخير الكثير ، لأنّهم أرادوه وحصل في نفوسهم ، غير أنّه لم يحصل في أرض النّفوس ، والعبد المتلبّس بصفة سيّده لابس ثوب زور لا تقبله ذاته ، ولهذا لا يعترف مخلوق بعلوّ مخلوق قطّ عند مشاهدة العين ، ولا يعظّم أحد في عين أحد إلّا المحبوب في عين المحبّ ، هذا حظّ العامّة من أحكام علوّ العليّ . وأمّا حظّ العارف من هذه الحضرة شهود علمه بذاته ، وما يقتضي حدوثه من مقام الإنحطاط وبعده عن رتبة العلوّ ، ومطالعته العناية الإلهيّة والتّشريف الرّبانيّة لهم ، بإضافته العباد إليه الّذي كان بهم عليّا ، لأنّه لولا إنحطاط الممكن ما ظهر لعلوّ العليّ سلطانه .

--> ( 1 ) - ص : إحاطة . ( 2 ) - سورة القصص ( 28 ) : الآية 83 .